صديقي العزيز، سواءً أنك أجريت العملية بالفعل أو أنك مازلت تفكر، دعني أخبرك أن الكثير من المرضى يكتشف أن التحدي الحقيقي لم يكن في حجم المعدة، بل في العلاقة المعقدة مع الطعام.
قد تجد نفسك في مواقف معينة تشعر فيها برغبة ملحة في تناول الطعام، لا بسبب الجوع الحقيقي، ولكن كاستجابة لمشاعر معينة مثل التوتر، الملل، أو الحزن.
هذه الظاهرة تُعرف بـ الجوع العاطفي، وهي السبب الرئيسي لانتكاس الكثيرين بعد الجراحة.
إن فهم كيفية التفريق بين الجوع الحقيقي والعاطفي هو الخطوة الأولى نحو السيطرة على قراراتك الغذائية.
الأمر يعود إلى تلك العادة والتصرف الخاطئ الذي كان السبب في اكتسابك الوزن منذ البداية، لكن لا تقلق، فهذه المشكلة التي تبدو معقدة والتي قد تعيق تقدمك لها حلول بالتأكيد،
وهذا ما سنُقدمه لك اليوم، دليلاً عملياً للتعامل مع الجوع العاطفي، وسنوضح أيضاً مبادئ وأدوات العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، والحلول الأخرى التي قد تُساعدك على التحكم في سلوكك الغذائي وضمان استمرارية نجاحك.
Content
كيف أفرّق بين الجوع الحقيقي والعاطفي؟
هذه هي أولى الأدوات وأهمها. إن التمييز بين النوعين يُساعدك على فهم دوافعك الحقيقية لتناول الطعام.
فعندما تعلم أن هذا الجوع الذي تشعر به ليس حاجة حقيقية للطعام وإنما هو أسلوب للتعامل مع المشاكل، ستتفهم ألا تتبع هذه الرغبة.
-
الجوع الحقيقي (الجسدي):
-
-
- يأتي تدريجياً، على شكل انقباضات خفيفة في المعدة أو شعور بالفراغ.
- يُمكن إشباعه بأي نوع من الطعام.
- عندما تشعر بالشبع، تتوقف عن الأكل.
-
-
الجوع العاطفي:
-
- يأتي فجأة، وبشكل مُلحّ، وكأنه أمر لا يُمكن مقاومته.
- يُركز على نوع معين من الطعام، غالباً ما يكون غنياً بالدهون أو السكر (مثل الشوكولاتة أو رقائق البطاطا).
- تناول الطعام لا يُؤدي إلى الشبع، بل إلى شعور بالذنب أو الندم بعد الأكل.
تحديد الجذور: التعرف على محفزات الأكل
لمواجهة الجوع العاطفي، يجب أن تفهم ما الذي يُحفزه. إن التعرف على محفزات الأكل لديك هو الخطوة التالية. يمكن أن تكون هذه المحفزات:
- مشاعر سلبية: مثل التوتر، القلق، الحزن، أو حتى الملل.
- مواقف معينة: مثل التجمعات الاجتماعية أو مشاهدة التلفاز أو العمل على الكمبيوتر.
- أوقات محددة: مثل الأكل في وقت متأخر من الليل.
لاحظ أن محفزات الأكل هذه لا تعتمد على الجوع، فأنت تعودت أنه بمجرد التواجد في اجتماع عائلي فإن الخطوة التالية هي إعداد طاولة الطعام!
ومن المبرر أيضاً أنك عند الشعور بالحزن ستتجه فوراص إلى المطبخ، فتناول شيء لذيذ يحفز بالفعل بعض النواقل العصبية في الدماغ التي تجعلك تشعر بالسعادة.
لكن في حقيقة الأمر فإن هذه السعرات الحرارية زائدة عن احتياجك وليس لها مصرف، لذلك يتم تخزينها كدهون.
ومشكلة هذه العادة أنها قد تستمر حتى بعد جراحة السمنة، فصحيح أنك صغرت حجم المعدة وقللت هرمونات الجوع، لكن الأمر لم يعتمد أصلاً على الجوع.
حلول عملية: أدوات واستراتيجيات للتغلب على الجوع العاطفي
بعد أن تعرفنا على بعض أسباب المشكلة وعلى مكمن الصعوبة في التعامل معها، يجب أن نتكلم عن الحلول.
وعلى الرغم من أن جراحات السمنة ستحسن هذا الموضوع كثيراً، فأنت حرفياً لن تتمكن من تناول الطعام الزائد بعدها،
إلا أنه على المدى البعيد، وبعد تكيف الجسم والرجوع إلى حياة أقرب للطبيعية، فإن شبح الجوع العاطفي يأتي ليحوم حول النتائج التي حققتها، وقد يسلبها منك.
لذلك، بمجرد أن تتمكن من التمييز بين نوعي الجوع وتحديد محفزاتك، يمكنك التدريب على استخدام هذه الأدوات اليومية للتحكم في سلوكك.
يوميات الطعام: مرآة لوعيك
لا تُعد يوميات الطعام أداة لحساب السعرات الحرارية فقط، بل هي أداة لزيادة الوعي. قم بتسجيل ما تأكله ومتى، ولكن الأهم من ذلك، اكتب:
- حالك العاطفية قبل الأكل: هل كنت متوتراً؟ حزيناً؟ سعيداً؟
- مدى جوعك: هل كنت تشعر بجوع حقيقي أم لا؟
- حالك بعد الأكل: هل شعرت بالذنب؟ بالراحة؟
بمرور الوقت، ستُظهر لك هذه اليوميات أنماطاً واضحة تُساعدك على ربط مشاعرك وعاداتك الغذائية، مما يُعطي لك القدرة على التوقف قبل أن تبدأ في الأكل العاطفي.
استراتيجيات سلوكية: بدائل صحية للأكل
عندما تشعر بالرغبة في الأكل العاطفي، لا تُحاول مقاومة الشعور بالقوة، بل حاول استبدال السلوك. هذه بعض استراتيجيات سلوكية فعّالة:
- قاعدة 15 دقيقة: عندما تشعر برغبة ملحة في الأكل، انتظر 15 دقيقة. خلال هذه الفترة، انخرط في نشاط آخر. في كثير من الأحيان، ستتلاشى الرغبة.
- ابحث عن بديل صحي: إذا كان الملل هو المحفز، قم بالمشي أو الاتصال بصديق. إذا كان التوتر، مارس تمارين التأمل أو الاسترخاء.
- تغيير البيئة: ابتعد عن الطعام. اخرج من الغرفة أو اذهب إلى مكان لا يحتوي على طعام مغرٍ.
- مارس الرياضة: تُعد الرياضة وسيلة ممتازة لتحرير التوتر والحد من رغبات الأكل العاطفية.
إذاً فالمقصود بهذه الاستراتيجيات هو محاولة إزالة السبب الذي يؤدي إلى الجوع العاطفي.
الاستعانة بالمختصين: الأخذ بيد العون
لا تتردد في طلب المساعدة من المختصين. إن المعالج النفسي أو أخصائي التغذية المتخصص في جراحات السمنة يمتلك الأدوات والخبرة اللازمة لمساعدتك في:
- تحديد الأسباب الجذرية: مساعدتك على فهم الأسباب العميقة وراء الجوع العاطفي التي قد لا تكون واضحة لك وحدك.
- تقديم استراتيجيات مخصصة: تعليمك استراتيجيات سلوكية مُصممة خصيصاً لمواجهة محفزاتك الفردية.
- توفير الدعم: العمل مع مختص يُوفر لك دعماً ومساءلة مستمرة، مما يُعزز التزامك ويُقلل من احتمالية الانتكاس.
نصائح لرحلة مستدامة
أصبحت الآن مسلحاً بما يمكنك من التعامل الصحيح وإيقاف هذا الوحش الصامت الذي يجعلك تأكل الطعام بلا حاجة، ويأكل هو صحتك من الداخل،
لكن لا بأس بمزيد من النصائح التي ستجعل خوض هذه المعركة أسهل:
- لا تُحرم نفسك تماماً: الشعور بالحرمان قد يزيد من الرغبة في الأكل العاطفي. يُمكنك تناول وجبات صغيرة وصحية أو حتى قطعة صغيرة من الحلوى المفضلة لديك بين الحين والآخر، ولكن بوعي.
- اطلب المساعدة: لا تتردد في التحدث مع أخصائي تغذية أو مُعالج سلوكي متخصص في عادات الأكل. فهم يُمكنهم تزويدك بأدوات متخصصة لمساعدتك.
- كن رحيماً بنفسك: رحلة فقدان الوزن مليئة بالصعود والهبوط. إذا حدثت زلة، لا تُعاقب نفسك، بل تعلم منها وعد إلى مسارك الصحيح.
إن جراحة السمنة هي الأداة التي منحتك فرصة ذهبية لبدء حياة جديدة. لكن النجاح على المدى الطويل يعتمد على قدرتك على إدارة الجانب النفسي من الأكل.
إن فهم الجوع العاطفي، وتحديد محفزات الأكل، واستخدام أدوات مثل يوميات الطعام andاستراتيجيات سلوكية هو المفتاح لتحويل هذه الفرصة إلى واقع مستدام.
هل أنت مستعد لمواجهة الجوع العاطفي بوعي، والسيطرة على قراراتك الغذائية من الآن فصاعداً؟