صديقي، بعد أن تتخذ قرارًا جريئًا بالخضوع لجراحة السمنة، وتدخل في رحلة فقدان الوزن المبهرة التي تشهد فيها أرقام الميزان تتهاوى بسرعة في الأسابيع والأشهر الأولى، يأتي فجأة ذلك الشعور المربك والمحبط: توقف نزول الوزن بعد الجراحة.
قد تجد نفسك تسأل: هل هذا طبيعي؟ هل يعني أن عملية التكميم (أو غيرها) فشلت؟ وكيف يمكنني أن أجد علاج ثبات الوزن هذا؟
هذه الحيرة طبيعية جدًا، وهو أمر وارد. فبعض المرضى يمرون بفترات ثبات الوزن بعد التكميم (أو أي عملية أخرى)، وهذا ليس بالضرورة مؤشرًا على الفشل.
هذه المقالة ليست لتيئيسك، بل لتزويدك بالمعرفة والأدوات اللازمة لتجاوز هذه المرحلة.
سنتعلم سويًا ما هو المعدل الطبيعي لفقدان الوزن، ولماذا قد يحدث توقف نزول الوزن بعد الجراحة، وما هي أفضل الحلول لـ علاج ثبات الوزن هذا والعودة إلى المسار الصحيح.
المعدل الطبيعي لفقدان الوزن بعد جراحات السمنة
لكي نفهم توقف نزول الوزن بعد الجراحة، من المهم أن نعرف أولاً ما هو المعدل الطبيعي المتوقع لفقدان الوزن.
رحلة فقدان الوزن بعد جراحات السمنة ليست خطًا مستقيمًا أو ثابتًا، بل تمر بمراحل مختلفة:
- المرحلة السريعة (Rapid Weight Loss Phase):
- متى؟ عادة ما تحدث في الأشهر الستة الأولى بعد الجراحة.
- كيف؟ يفقد المريض الوزن بسرعة كبيرة، قد تصل إلى 2-4 كيلوغرامات في الأسبوع في البداية. هذا يرجع إلى القيود الشديدة على تناول الطعام، والتغيرات الهرمونية، وانتقال الجسم إلى حرق الدهون المخزنة.
- الأهمية: هذه المرحلة تمنح المريض دفعة معنوية كبيرة وتحفيزًا للاستمرار.
- مرحلة التباطؤ والتقلبات (Slowdown and Plateau Phase):
- متى؟ تبدأ هذه المرحلة عادة بعد 3-6 أشهر من الجراحة وقد تستمر لفترات متفاوتة.
- كيف؟ يبدأ معدل فقدان الوزن في التباطؤ تدريجيًا. قد يلاحظ المريض فترات ثبات الوزن بعد التكميم (توقف الميزان عن الحركة) لعدة أيام أو أسابيع، ثم يعود الوزن للنزول مرة أخرى، ولكن بمعدل أبطأ.
- الأهمية: هذه المرحلة طبيعية جدًا وجزء من تكيف الجسم مع الوضع الجديد. الجسم يحاول “إعادة ضبط” نفسه، وقد تحدث تغيرات في تكوين الجسم (فقدان دهون واكتساب عضلات) لا تظهر على الميزان.
- مرحلة الحفاظ على الوزن (Weight Maintenance Phase):
- متى؟ عادة ما تبدأ بعد 12-18 شهرًا من الجراحة.
- كيف؟ يصل المريض إلى وزنه المستهدف أو قريبًا منه، ويصبح الهدف الرئيسي هو الحفاظ على الوزن المفقود من خلال الالتزام بنمط حياة صحي.
- الأهمية: النجاح الحقيقي للجراحة يكمن في مدى قدرة المريض على الحفاظ على الوزن على المدى الطويل.
مثال بسيط يوضح الرحلة الطبيعية لفقدان الوزن:
إذا بدأ شخص وزنه 120 كيلوجرامًا (ووزنه المثالي 70 كيلوجرامًا، أي لديه 50 كيلوجرامًا وزن زائد)، فقد يفقد حوالي 20-30 كيلوجرامًا خلال الأشهر الستة الأولى.
ثم قد يلاحظ نفس الشخص أن وزنه لا يتغير لمدة أسبوعين أو ثلاثة، ثم يبدأ في النزول كيلوجرام واحد كل أسبوعين بدلاً من 3 كيلوجرامات في الأسبوع.
يمكن للشخص المذكور أن يصل إلى وزن 80-85 كيلوجرامًا في غضون عام إلى عام ونصف، ويستقر وزنه عند هذه النقطة، ليصبح هدفه الحفاظ على هذا الإنجاز.
من المهم جدًا أن يتوقع المريض هذه المراحل، وأن يعلم أن توقف نزول الوزن بعد الجراحة أو ثبات الوزن بعد التكميم هو جزء طبيعي من هذه الرحلة، وليس بالضرورة مؤشرًا على الفشل.
أما إذا خالف معدل فقدان الوزن المعدل المذكور فهنا قد نقول أن هناك مشكلة، ونبدأ في البحث عن حلول.
ما الذي يسبب ثبات الوزن بعد الجراحة؟
إن ثبات الوزن بعد التكميم أو أي جراحة سمنة أخرى يمكن أن يكون محبطًا، لكنه غالبًا ما يكون نتيجة لأسباب يمكن تحديدها والتعامل معها.
إليك أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى انخفاض معدل خسارة الوزن أو توقف نزول الوزن بعد الجراحة:
- التكيف الأيضي (Metabolic Adaptation):
- الجسم ذكي جدًا. عندما يبدأ في فقدان الوزن بسرعة، فإنه يفسر ذلك على أنه “مجاعة” ويبدأ في تقليل معدل الأيض (حرق السعرات الحرارية) للحفاظ على الطاقة. هذا يعني أن الجسم يحرق سعرات حرارية أقل بنفس مستوى النشاط.
- هذا التكيف هو السبب الرئيسي وراء فترات الثبات الطبيعية.
- تغيرات في تكوين الجسم:
- في البداية، يفقد المريض الكثير من الماء والعضلات إلى جانب الدهون. عندما يبدأ الجسم في التكيف، قد يبدأ في بناء بعض الكتلة العضلية (خاصة مع ممارسة الرياضة وتناول البروتين).
- العضلات أثقل من الدهون. لذا، حتى لو كنت تفقد دهونًا، قد لا يظهر ذلك على الميزان لأنك تكتسب عضلات في نفس الوقت.
- قلة تناول البروتين:
- البروتين ضروري للحفاظ على الكتلة العضلية وتحفيز الأيض. إذا لم يتناول المريض كمية كافية من البروتين، فقد يفقد كتلة عضلية بدلًا من الدهون.
- فقدان العضلات يقلل من معدل حرق السعرات الحرارية ويسهم في ثبات الوزن بعد التكميم.
- عدم كفاية النشاط البدني أو زيادته المفاجئة:
- قلة النشاط البدني لا تساعد في حرق السعرات الحرارية. أما زيادة النشاط المفاجئة فقد تزيد من احتباس السوائل في العضلات كاستجابة طبيعية للجهد، مما يخفي فقدان الدهون على الميزان.
- يؤثر على معدل حرق السعرات الحرارية وتكوين الجسم.
- العادات الغذائية الخاطئة:
- المشروبات السائلة عالية السعرات: مثل العصائر المحلاة، المشروبات الغازية، أو القهوة المليئة بالسعرات. هذه تمر بسهولة عبر المعدة الصغيرة دون أن تسبب الشبع، وتضيف سعرات حرارية كثيرة.
- الاستهلاك الزائد للدهون والكربوهيدرات: تناول كميات كبيرة من الأطعمة الغنية بالدهون أو الكربوهيدرات المكررة يضيف سعرات حرارية زائدة، حتى لو كانت الكمية قليلة.
- “المضغ الناقص” (Slider Foods): أطعمة سهلة الانزلاق عبر المعدة دون أن تشعر بالشبع، مثل الآيس كريم، الرقائق، الشوكولاتة.
- تؤدي إلى استهلاك سعرات حرارية أكثر مما ينبغي، وتُعد سببًا رئيسيًا لـ توقف نزول الوزن.
- قلة شرب الماء أو الجفاف:
- الماء ضروري لعمليات الأيض وحرق الدهون. الجفاف يمكن أن يبطئ هذه العمليات ويزيد من احتباس السوائل.
- يؤثر على فعالية الأيض وقد يظهر على الميزان كـ ثبات الوزن بعد التكميم.
- عدم الالتزام بالمتابعة الدورية:
- إهمال زيارات أخصائي التغذية أو الطبيب النفسي يعني عدم الحصول على الدعم والإرشاد اللازمين للتعامل مع التحديات وتصحيح المسار.
- يترك المريض وحيدًا في مواجهة التحديات.
- التغيرات الهرمونية:
- التغيرات الهرمونية الطبيعية (مثل الدورة الشهرية لدى النساء) يمكن أن تسبب احتباس السوائل وتوقف الميزان مؤقتًا.
- قد تكون مؤقتة وتختفي مع مرور الوقت.
- الإجهاد وقلة النوم:
- الإجهاد يزيد من إفراز هرمون الكورتيزول الذي يعزز تخزين الدهون. قلة النوم تؤثر على هرمونات الجوع والشبع، وتبطيء الأيض.
- يؤثر على قدرة الجسم على حرق الدهون بفعالية.
فهم هذه الأسباب هو الخطوة الأولى لـ علاج ثبات الوزن والعودة إلى فقدان الوزن الصحي.
أفضل الحلول لحل مشكلة ثبات الوزن بعد الجراحة
عند مواجهة توقف نزول الوزن بعد الجراحة، لا تيأس! هناك العديد من الاستراتيجيات الفعالة التي يمكنك اتباعها لـ علاج ثبات الوزن هذا والعودة إلى المسار الصحيح:
- إعادة تقييم نظامك الغذائي:
- التركيز على البروتين: تأكد من أنك تتناول كمية كافية من البروتين الخالي من الدهون في كل وجبة (70-90 جرامًا يوميًا). البروتين يحافظ على الكتلة العضلية ويشعرك بالشبع.
- الابتعاد عن السعرات الحرارية السائلة: توقف تمامًا عن المشروبات الغازية، العصائر المحلاة، والقهوة عالية السعرات.
- تجنب “المضغ الناقص”: الأطعمة الطرية التي لا تحتاج إلى مضغ كبير أو لا تشغل حيزًا في المعدة.
- مراقبة السعرات الحرارية: استخدم تطبيقًا لتتبع السعرات الحرارية للتأكد من أنك لا تستهلك سعرات حرارية أكثر مما تحتاج.
- التخطيط للوجبات: خطط لوجباتك مسبقًا لتجنب الخيارات السيئة عند الشعور بالجوع.
- زيادة النشاط البدني وتنوعه:
- الشدة والمدة: إذا كنت تمارس الرياضة بالفعل، حاول زيادة شدة أو مدة تمارينك تدريجيًا.
- التنوع: جرب أنواعًا مختلفة من التمارين. امزج بين تمارين الكارديو (المشي السريع، الجري، السباحة) وتمارين القوة (رفع الأثقال) لبناء العضلات وحرق الدهون بفعالية أكبر.
- الثبات: التزم بجدول زمني ثابت للتمارين.
- شرب كميات كافية من الماء:
- الترطيب: تأكد من شرب 2-3 لترات من الماء يوميًا بين الوجبات. الترطيب الجيد ضروري لعمليات الأيض.
- التوقيت: تجنب الشرب مع الوجبات لتجنب الشبع السريع وتدفق الطعام.
- الالتزام بالمكملات الغذائية:
- الفيتامينات والمعادن: تأكد من تناول جميع الفيتامينات والمعادن الموصوفة من قبل طبيبك بانتظام. نقص بعض الفيتامينات يمكن أن يؤثر على الأيض والطاقة.
- الحصول على قسط كافٍ من النوم:
- الجودة والكمية: اهدف إلى 7-9 ساعات من النوم الجيد كل ليلة. قلة النوم تزيد من هرمونات الجوع وتبطيء الأيض.
- إدارة التوتر:
- التقنيات: استخدم تقنيات الاسترخاء مثل التأمل، اليوجا، أو تمارين التنفس العميق للتحكم في التوتر، حيث يمكن أن يؤثر الكورتيزول (هرمون التوتر) على فقدان الوزن.
- المتابعة الدورية مع الفريق الطبي:
- الاستشارة: لا تتردد في التواصل مع جراح السمنة، أخصائي التغذية، أو الطبيب النفسي. قد يحتاجون إلى تعديل خطتك أو تقديم حلول سلوكية.
- الفحوصات: إجراء فحوصات الدم الدورية للتأكد من عدم وجود نقص في الفيتامينات أو مشاكل صحية أخرى.
- التركيز على القياسات لا على الميزان فقط:
- التغييرات: أحيانًا لا يتحرك الميزان، ولكن مقاسات الملابس تتغير أو تشعر أنك أكثر رشاقة. هذا يعني أنك تفقد دهونًا وتكتسب عضلات.
- التقدم: قس محيط خصرك، فخذيك، وذراعيك بانتظام لتتبع التقدم الحقيقي.
تذكر أن توقف نزول الوزن هو تحدٍ مؤقت يمكن التغلب عليه بالصبر والالتزام الصحيح.
إن رحلة فقدان الوزن بعد جراحات السمنة هي رحلة مليئة بالصعود والهبوط.
إن مواجهة توقف نزول الوزن بعد الجراحة أو فترات ثبات الوزن بعد التكميم هو أمر طبيعي، وليس بالضرورة مؤشرًا على الفشل.
الأهم هو فهم الأسباب وراء هذا الثبات، وتطبيق الاستراتيجيات الصحيحة لـ علاج ثبات الوزن.
بالالتزام بالنظام الغذائي الصحيح، زيادة النشاط البدني، والحصول على الدعم المستمر من فريقك الطبي، يمكنك تجاوز هذه المرحلة الصعبة، والعودة إلى المسار الصحيح نحو تحقيق أهدافك الصحية والعيش حياة أكثر نشاطًا وسعادة.